عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

28

اللباب في علوم الكتاب

وقال أبو مسلم : يحتمل أن يكون ذلك خطابا لأهل الكتاب ، والمراد بالإيمان صلاتهم ، وطاعتهم قبل البعثة ثم نسخ . وإنما اختار أبو مسلم هذا القول ، لئلا يلزمه وقوع النسخ في شرعنا . قال القرطبي : « وسمى الصلاة إيمانا لاشتمالها على نيّة وقول وعمل » . استدلت المعتزلة بقوله : « وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ » على أن الإيمان اسم لفعل الطاعات ، فإنه - تعالى - أراد بالإيمان هاهنا الصلاة . والجواب : لا نسلم أن المراد من الإيمان هنا الصلاة ، بل المراد منه التّصديق ، والإقرار ، فكأنه - تعالى - قال : إنه لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة . سلمنا أن المراد من الإيمان هاهنا الصلاة ، ولكن الصلاة أعظم الإيمان ، وأشرف نتائجه وفوائده ، فجاز إطلاق اسم الإيمان على الصلاة على سبيل الاستعارة من هذه الجهة . فصل في الكلام على الآية قوله : « وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ » أي : لا يضيع ثواب إيمانكم ؛ لأن الإيمان قد انقضى وفني ، وما كان كذلك استحال حفظه وإضاعته ، إلّا أنّ استحقاق الثواب قائم بعد انقضائه ، فصح حفظه وإضاعته ، وهو كقوله تعالى : أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ [ آل عمران : 195 ] . قوله : « لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ » . قرأ أبو عمرو « 1 » ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر : « لرؤف » على وزن : « ندس » و « رعف » مهموزا غير مشبع ، وهي لغة فاشية ، كقوله : [ الوافر ] 827 - وشرّ الظّالمين فلا تكنه * يقاتل عمّه الرّؤف الرّحيما « 2 » وقال آخر : [ الوافر ] 828 - يرى للمسلمين عليه حقّا * كحقّ الوالد الرّؤف الرّحيم « 3 » وقرأ الباقون : « لرؤوف » مثقلا مهموزا مشبعا على زنة « شكور » . وقرأ أبو جعفر « 4 » « لروف » من غير همز ، وهذا دأبه في كل همزة ساكنة أو متحركة .

--> ( 1 ) انظر الكشف : 1 / 266 ، والسبعة : 171 ، والشواذ : 10 ، والحجة : 2 / 229 ، وحجة القراءات : 116 ، والعنوان : 72 ، وشرح الطيبة : 4 / 71 - 73 ، وشرح شعلة : 278 ، وإتحاف فضلاء البشر : 1 / 421 ، 422 . ( 2 ) البيت للوليد بن عقبة . ينظر الطبري : 3 / 171 ، والمحرر الوجيز : 1 / 442 ، والبحر المحيط : 1 / 601 ، القرطبي : 2 / 107 ، والدر المصون : 1 / 397 . ( 3 ) البيت لجرير . ينظر ديوانه : ( 382 ) ، البحر المحيط : 1 / 601 ، والدر المصون : 1 / 397 . ( 4 ) ينظر القراءة السابقة .